محمد بن جرير الطبري
394
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والذين آمنوا معه ، قال الذين شربوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وأولى القولين في ذلك بالصواب ، ما روي عن ابن عباس وقاله السدي ؛ وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة ، والكافر الذي شرب منه الكثير . ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه ، وانخزل عنه أهل الشرك والنفاق ، وهم الذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ومضى أهل البصيرة بأمر الله على بصائرهم ، وهم أهل الثبات على الإِيمان ، فقالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فإن ظن ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإِيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم ، ومن لم يشرب من النهر إلا الغرفة ، لأَن الله تعالى ذكره قال : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فكان معلوما أنه لم يجاوز معه إلا أهل الإِيمان ، على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب ، ولأَن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإِيمان لما خص الله بالذكر في ذلك أهل الإِيمان ؛ فإن الأَمر في ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان ، أعني فريق الإِيمان وفريق الكفر جاوزوا النهر ، وأخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، عن المؤمنين بالمجاوزة ، لأَنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر ، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين . والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الله تعالى ذكره : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ فأوجب الله تعالى ذكره أن الذين يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله ، وأن الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وغير جائز أن يضاف الإِيمان إلى من جحد أنه ملاقي الله أو شك فيه . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين ، أعني القائلين : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ والقائلين : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ من هما . فقال بعضهم : الفريق الذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ هم أهل كفر بالله ونفاق ، وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده ، لأَنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه ، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي بذلك ؛ وهو قول ابن عباس . وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ الذين اغترفوا وأطاعوا الذين مضوا مع طالوت المؤمنون ، وجلس الذين شكوا . وقال آخرون : كلا الفريقين كان أهل إيمان ، ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة ، بل كانوا جميعا